آخر الأخبار :
التاريخ : 2011-12-13 11:17:00
الوقت :

حراث الجمال

 

حراث الجمال

د. كامل الزبون

Kalzboon@yahoo.com

اذا كنت ممن يهتمون بالأمثلة الشعبية فحتما سمعت بالمثل القائل "حراث الجمال" ولكن اذا كنت من مواليد الشميساني بعد عام  1960 فانك لم ترى حراث الجمال وينطبق الحال على مواليد عين الباشا بعد عام 1970 ومواليد عجلون بعد عام 1980 ومواليد المفرق بعد عام 1990.

اذا كان لديك فضول لتعرف أصل المثل فانه يحكى ان السكة التي يجرها الجمل تفتح الارض بشكل جيد وهو ما يسمى بالتلم ولكن عندما يرجع الجمل في التلم الاخر فانه يقوم بطمر التلم الاول فيختلط على الحراث ان يعرف اين وصل بدقة ويختلط ما تم حرثه بما لم يتم.

  انا على يقين انه لا يمكن للقارئ اداراك الصورة  وربما يعاني خاصة في ضل عدم وجود يوتيوب يصور العملية كما هي، الا انه يمكن مشاهدتها على الطبيعة ودون عناء ويمكن تصويرها وتدوينها وقراءتها وملاحظتها بصورة يومية.

ان عمل الحكومات المتلاحقة في هذا الوطن اصبح صورة طبق الاصل لحراث الجمال فما ان تقوم حكومة بأعداد قانون او مشروع او نشاط معين حتى يأتي الجمل الجديد ليلغي ما تم حرثه وزراعته من قبل سلفه بل وربما يصدر ما هو عكسه ويقرر الغاء التلم وطمره.

ربما كان العمل السابق اجتهادا في بلد تحول الى مزرعة تجارب  وتحول القانون والمال والسلطة وحتى الدولة الى عبيد  لخدمة اصحاب التجارب الذين سخروا الوطن كمزارع  تنمو وتزدهر وتترعرع بانتظار المسؤول التالي ليجتهد هو الاخر ويقيم مزرعته على انقاض سلفه.

حتى نبتعد عن التجني فلا بد من ذكر بعض الأمثلة: فالذي يحمل ذاكرة معذبة يستطيع ان يتذكر نظام الخدمة المدنية لعام 1989 وكيف هلل له اصحاب المنافع وابواقهم الاعلامية بأنه نظام عصري يوفر العدالة  والتنظيم  والذي لم يحقق سوى الانتقام من المهندسين لموقف نقيبهم آنذاك. يأتي المسؤول التالي ليثور على النظام ويغيره ويعلن ظلمه وانه سيأتي بنظام عصري وتتوالى  احداث المسلسل ليتم تعديله عشرات المرات بانتظار عصرنة النظام. يا ترى ما الذي استجد على اصحاب العبقريات ليغيروا النظام ثلاث مرات في احدى السنوات ؟ وما زال التعديل مستمر وما زال الظلم مستمر والفجوات والهفوات مستمرة.

وعلى المستوى التعليم والذي يجب ان يكون له السلطة العليا في أي بلد يبحث عن التقدم فقد انشئت جامعة البلقاء التطبيقية بأراده ملكية  للأشراف على كليات المجتمع وتوسعت الكليات واصبحت جامعات منفصلة ليتفاجأ الجميع  بصحوة وزارة التعليم العالي والتي اعلنت قبل عام بأن التجربة كانت خاطئة ولا بد من فصل الكليات عن الجامعة، يا ترى من الذي اجتهد سابقا بالقرار وهل صاحب القرار الحالي ذو اجتهاد افضل ام علينا ان ننتظر اعواما طويله حتى نكتشف صواب الاجتهاد؟

بعد ان زين وزير البلديات الفكرة لرئيس الوزراء تم  دمج البلديات وتم دعم المجالس بأموال طائلة من اجل انجاح الفكرة وذهبت تلك الاموال لتعيين الاقارب والمعارف وارضاء النواب ثم يظهر من يقرر ان التجربة خاطئة ليفتح المجال امام المواطنين ليعلنوا تظلماتهم من سيطرت المراكز على الاطراف ومن سيطرة عشيرة على الرئاسة ومن تفرد مجموعة بالوظائف عندها قرر مجلس الوزراء استحداث بلديات جديدة وضمن اسس محددة.  بعد ان صدر القرار الاول لاستحداث بلديات جديدة تحركت الوفود من كل المناطق وتحرك النواب والوزراء فكان المواطن يتوقع استحداث بلدية كل ساعة فالقرارات والوعود الشفوية كانت اكثر من التجمعات السكانية في المملكة وسريعا انهارت الحكومة امام المطالب والاعتصامات والاضرابات حتى توقعت ان يسمح باستحداث بلدية في كل حارة ولكل عشيرة انطلاقا من قرارات الفزعه. من الذي قرر دمج البلديات وهل قراره كان صائبا واذا كان كذلك لماذا جاء من يدعي عكس ذلك وهل نحتكم الى منطق واحد؟؟.

وافق مجلس النواب على اقرار قانون هيئة مكافحة الفساد بما في ذلك المادة 23 ولم يقر ذلك مجلس الاعيان واقرارها ايضا  لم يرضي جلالة الملك ولو عاد القانون لمجلس النواب لتم رفضه فما الذي تغيير بين عشية وضحاها ؟؟ وهل النواب انطلقوا في اقرارهم للقوانين من فهم ام خضعوا الى ضغوط ام انهم من غزية ان غويت غويت وان ترشد غزية ارشد؟؟؟

لماذا استحدثت وزارة التنمية السياسية ولماذا الغيت لاحقا ثم عادت؟ والشيء نفسه على وزارة التعليم العالي  والمؤسسة الطبية العلاجية والمجلس الاعلى للشباب ووزارة الاعلام والهيئات التي يتم تفريخها يوميا والامثلة لا تعد ولا تحصى؟؟؟؟

يمكن تفسير ما يحدث من تخبط في الاجتهادات وكلما جاءت امة لعنت اختها بشي واحد اننا لم نستطيع ان نبني مؤسسية وعلى جميع المستويات الاقتصادية والادارية والامنية  وان ما نقوم به من برامج وخطط وقرارات ما هو الا اجتهادات وتجارب  وموجات فزعه سيأتي مسؤول جديد ويقرر فشلها ويقرر هدمها حتى لا يبين لها اثر.

ان الامثلة المحدودة اعلاه تشير الى الحكومات تقلد الجمل في هدم ما بني،  اما المواطن الأردني فقد تعلم  منه الصبر ، ولكن على الحكومات ان تخشى المواطن الذي تعلم من الجمل  ثورة غضبه ايضا. 

 

   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' القلعة نيوز' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .